في 3 حزيران 1962 وصلت شرارة ثورة ايلول إلى منطقة باله كايتي، وتوجهت قوات البيشمركة بإشراف مباشر من قائد الثورة الملا مصطفى بارزاني نحو ناحية كەڵالە بهدف تحريرها، حيث أرادت قوات الشرطة في الناحية المقاومة ولم يسلموا أنفسهم، وفي ذلك الوقت كان بارزاني يراقب المعركة من ماكوسان، وأبلغ مدير الناحية عبر رسالة بأن عليهم تسليم أنفسهم لقوات البيشمركة لكي تنتهي المعركة دون إراقة دماء، وفي ليلة 3 على 4 حزيران 1962 سلمت مفرزة من قوات الشرطة نفسها، لكن مدير الناحية وسرية من الشرطة ومسؤولي الناحية وجميع أولئك الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مخلصين لحكومة عبد الكريم قاسم (1958-1963) لجأوا مع عوائلهم سراً إلى قلعة رايات، في حين كانت الطائرات الحربية التابعة للدولة تقصف قوات البيشمركة باستمرار من الصباح حتى المساء.
كان هناك عدد كبير من الشرطة داخل القلعة وكان مسؤولهم كردياً يدعى كريم خوراني، لكن عندما وصل مدير الناحية الذي كان عربياً ولا يعرف اللغة الكردية إلى داخل القلعة أصبح هو القائد والمسؤول الأول. في 4 حزيران 1962 حاصرت قوات البيشمركة بقيادة حاجي بيروخي وعريف ياسين ومحمود كاواني ومصطفى نيرويي وحسن خال حمزة وأحمد مستي وعمر دبابة مع عدة قوات عشائرية قلعة رايات.
حاولت قوات البيشمركة تخويف الشرطة عن طريق إطلاق النار وإجبارهم على تسليم أنفسهم، لكن المحاصرين رفضوا الاستسلام وبدأوا بالمقاومة وطلبوا المساعدة من الحكومة عبر اللاسلكي، وكانت البيشمركة على علم بجميع برقيات الحكومة التي يطلب فيها المحاصرون المساعدة، وكانت الحكومة في ردها تطالبهم بالمقاومة والصمود والاستمرار في الدفاع، وكانت بعض البرقيات موجهة مباشرة إلى عبد الكريم قاسم رئيس وزراء العراق في ذلك الوقت.
قامت حكومة العراق في ذلك الوقت بقصف قوات البيشمركة عشوائياً بالطائرات الحربية لكنها لم تلحق أي ضرر بالبيشمركة، بالإضافة إلى ذلك كانت الطائرات تلقي أحياناً بالمظلات (الشبكات) المؤن والذخيرة والمستلزمات الضرورية للمحاصرين، وصل عدد قليل من المظلات إليهم بينما وقعت بقية المظلات في أيدي البيشمركة، وبعد أسبوعين من حصار القلعة، تحركت قوة من الجيش العراقي بقيادة العقيد وهبي والتي كانت تتألف من الفوج الثالث من اللواء الثالث، من رواندز عبر طريق برسيرين نحو رايات لكسر الحصار وإنقاذ المحاصرين.
قامت قوة من البيشمركة بقيادة محمود كاواني وحارس بيداروني في كوسبي سبي وكوسبي روله وجسر حافيز بقطع الطريق على الجيش العراقي وواجهوهم، ووقعت معركة عنيفة بينهم، وفي النتيجة تم القضاء على ذلك الفوج من الجيش العراقي تماماً، حيث قتل جزء من عسكرييهم وأصيب جزء آخر بجروح وأسر البعض الآخر. في هذه المعركة تبين لحكومة العراق أنه لم يعد هناك أمل في أن تتمكن من الوصول إلى رايات عبر هذا الطريق وكسر الحصار عن القلعة، بل لجأت إلى طريق آخر وهو استخدام مسلحين مأجورين ليقوموا فجأة بالهجوم من الخلف على البيشمركة في جبل هلكورد مقابل رايات ومحاولة فك الحصار.
من الواضح أنه لتنفيذ تلك الخطة كانت هناك مجموعة من المأجورين خلف جبل هلكورد يخططون للهجوم، ولكن عندما سمع بارزاني الخبر وعلم بالخطة، أوكل مهمة حصار القلعة إلى علي عسكري واستعد هو لإحباط هذه المحاولة الحكومية، ووصل إليهم بعد فترة قصيرة مع قوة من البيشمركة، وفي 27 حزيران 1962 واجهوهم في منطقة تشيغه دري ودول وميدان وهورني باله كي، وبعد معركة حامية استمرت ثلاثة أيام شتتهم وتبعهم، حيث عبر بعضهم الحدود ودخلوا أراضي إيران وتسلل البعض الآخر إلى الشعاب والوديان في منطقة لولان، وبهذه الطريقة فشلت المحاولة الثانية لحكومة العراق لكسر الحصار.
بعد أن بذلت البيشمركة كل جهدها لإقناع المحاصرين بتسليم أنفسهم وكانت جهودهم بلا جدوى، بدأوا في يوم 10 حزيران 1962 بأمر من بارزاني بحفر نفق إلى داخل القلعة، من قبل 16 بيشمركة واثنين من عمال حفر القنوات (الكاريز) من شرق كردستان الذين كانوا هم أيضاً بيشمركة، باستخدام المعاول والمجارف والأدوات اليدوية، بدأوا بحفر النفق من مسافة 350 متراً من داخل حفرة في شرق القلعة باتجاه أول برج في القلعة، دون مساعدة تقنية أو هندسية محلية أو أجنبية، وكانوا بين الحين والآخر يحدثون ثقباً ويرفعون علامة حمراء ليعرفوا كم تبقى لهم للوصول إلى القلعة، وفي غضون 32 يوماً وصل فوهة النفق إلى أمام أول برج للقلعة من خارج تحت الجدران الحجرية.
أثارت العلامات الحمراء وصوت المعاول رعباً كبيراً في قلوب الشرطة، دخل كل من علي عسكري وأشرف أميدي عبر النفق إلى تحت جدار القلعة، وبدأوا حواراً مع مدير الناحية من خلال ثقب، حيث لم يعد لديهم مخرج سوى الاستسلام أو أنهم سيقومون بتلغيم جدران القلعة الأربعة بمادة (TNT) وتفجيرها وإسقاطها فوق رؤوسهم. وفي إشارة أخرى ورد أن هذين المسؤولين في البيشمركة كانا يعرفان اللغة العربية وأبلغا مدير الناحية ووعداه بأنه إذا سلموا أنفسهم فسيتم إطلاق سراحهم جميعاً.
في ليلة الخميس 12 تموز 1962 سلم المحاصرون أنفسهم وكان عددهم 150 شرطياً، وتم إرسال مدير الناحية وبعض أفراد الشرطة إلى مقر الثورة في بيتواته وسجنوا في كهف، أما الآخرون فقد تم تسليمهم إلى دولة العراق عبر طريق بيرانشهر في بلد إيران إلى قصر شيرين، وكان هدف بارزاني من ذلك هو أن يصل صوت الثورة إلى ما وراء الحدود، ومن الواضح أنه في الوقت الذي وصل فيه الأسرى إلى الأراضي الإيرانية كانت إذاعات وصحف أوروبا قد نشرت الخبر. أما بخصوص المسجونين في بيتواته الذين كان أحدهم عريف كريم خوراني مسؤول شرطة قلعة رايات فقد أعدم بعد سجنه، أما مدير الناحية فقد طلب يوماً مقابلة علي عسكري وقال له إنك لم تفِ بوعدك، وبعد ذلك بأيام قليلة تم إطلاق سراحه مع بعض أفراد الشرطة.
على الرغم من وصول وفد من الفرقة الثانية للجيش العراقي في 5 تموز 1962 إلى بارزاني في حاجي عمران بهدف التفاوض والاتفاق، إلا أنه لم يسفر عن أي نتيجة. وبعد السيطرة على القلعة، كانت غنائم الثورة عبارة عن 103 أسلحة روسية وإنجليزية وبولندية، و6 رشاشات برين روسية، و3000 رصاصة إنجليزية، وجهاز لاسلكي وجهاز شحن، كما تقرر بقرار من الثورة تحويل قلعة رايات إلى سجن وأسندت مسؤوليتها إلى سعيد مسيفي.
في 11 تموز 1962، وفي خضم استسلام المحاصرين، وصلت رسالة عاجلة من عمر دباب إلى بارزاني، أشار فيها إلى أن معركة عنيفة مستمرة بين القوات التي تحت إمرته ومجموعة من المرتزقة (الجاش)، وطلب مساعدة عاجلة من بارزاني لاستعادة بعض المواقع التي تمكن المسلحون من السيطرة عليها، فذهب بارزاني بنفسه مع مجموعة من بيشمركة بارزاني لمساعدتهم، وعندما وصل بارزاني وقواته إلى موقع المعركة انهارت معنويات المسلحين المرتزقة ولم يتمكنوا من الاستمرار وفشلوا، وانتهت المعركة لصالح قوات البيشمركة، وتركوا جميع المواقع التي سيطروا عليها وعبروا إلى داخل الأراضي الإيرانية، وفي هذه المعركة استشهد اثنان من البيشمركة وأصيب 12 آخرون.
وبهذه الطريقة تم تدمير مركز شرطة رايات والقوة الوحيدة للحكومة العراقية في المنطقة، وبتقنيات محلية ودون خسائر تم طردهم من المنطقة، وحتى نهاية الثورة لم تتمكن قوات الدولة من العودة إلى المنطقة، كما فرضت الثورة سيطرتها الكاملة على المنطقة وخطت خطوة نحو مرحلة جديدة من حيث ترسيخ الروح الثورية وتبديد خوف النظام من مواطني المنطقة وزيادة أعداد البيشمركة.
المصادر:1- مسعود بارزاني، بارزاني والحركة التحررية الكوردية، المجلد الثالث، الجزء الأول، ثورة أيلول 1961-1975، الطبعة الأولى 2004.
2- إسماعيل كوندهژوري، ثورة أيلول في باليكايتي، مطبعة روجهلات، الطبعة الأولى، 2018.
3- شوكت ملا اسماعيل حسن، أيام من تاريخ ثورة أيلول، الطبعة الأولى، أربيل، 2007.
4- هاوكار كريم حمه شريف، ثورة أيلول 1961-1970، الطبعة الأولى - مطبعة جامعة صلاح الدين، أربيل، 2012.
5- غازي عادل كردي، بيشمركة في خدمة نهج بارزاني حاجي بيروخي، المجلد الأول الطبعة الثانية، تركيا، 2021.
6- خورشيد شيرة، نضال ودم، ذكريات سنوات النضال البيشمركاتي، الطبعة الثالثة، أربيل، 2015.
7- آري كريم، صفحات حية من ثورة أيلول، مطبعة خبات، دهوك 1999.





