تعتبر قضية النزوح واللجوء واحدة من أبرز تداعيات الصراع السياسي والعسكري في تاريخ كوردستان المعاصر. لقد اضطر الشعب الكردي في جنوب كوردستان في مراحل مختلفة، بسبب سياسات القمع والهجمات العنيفة للأنظمة العراقية المتعاقبة، إلى ترك الوطن واللجوء إلى البلدان المجاورة. ''في مراحل كثيرة، أُجبر الكرد في الأجزاء التي يعيشون فيها على النزوح سواء داخل بلدهم، أو عبور الحدود إلى البلدان المجاورة نتيجة الضغوط والعنف الذي يفوق قدرة الناس على البقاء. ولهذا السبب، وفي كثير من الأحيان، اتخذت قيادات الثورات قراراً اضطرارياً بالهجرة والنزوح الجماعي لحماية أرواح المواطنين من مخاطر الحرب والاشتباكات.'' (عبد الرحمن علي كوردة، ٢٠١٨: ٣٤).
في تاريخ الكرد الحديث، تعود بدايات موجات الهجرة الجماعية إلى أوائل القرن العشرين وظهور ثورات بارزان. في عام ١٩٣٢، وبعد أن حاولت بريطانيا والحكومة الملكية العراقية آنذاك بكل قوتهم إفشال الثورة الأولى في بارزان، تم التمهيد للهجرة نحو شمال كوردستان الخاضع لتركيا بسبب الضغوط العسكرية: ''مع حلول شهر حزيران، تم تمهيد الطريق لدخول تركيا وترك العراق، وفي ١٠/٦/١٩٣٢ تجمعت العوائل والأطفال في (وادي زيت) والقرى المحيطة بها استعداداً لدخول تركيا'' (مسعود بارزاني، ٢٠٢٠: ٤٦).
اتخذت هذه العملية في عام ١٩٤٥ وأثناء الثورة الثانية في بارزان بعداً أوسع، عندما هاجمت قوات الحكومة العراقية المنطقة بالدبابات والمدافع: ''في ١١ تشرين الأول ١٩٤٥، عبر آخر عسكري من ثورة بارزان برفقة مصطفى بارزاني مع ٣٥ ألف امرأة ورجل وشاب تحت ضغط دبابات ومدافع الحكومة العراقية عبر طريق كيلشين الحدود وتجاوزوها إلى شرق كوردستان.'' (مصطفى محمد كريم، ٢٠٢٢: ٢٣٧-٢٣٨).
في كتاب ''بارزاني وحركة التحرر للشعب الكردي'' تم عرض تفاصيل الدخول إلى أراضي الشرق كالتالي: ''عندما دخل البارزانيون في ١١/١٠/١٩٤٥ عبر طريق كيلشين-مركاور (دالامبر) إلى كوردستان إيران، كانت الطائرات العراقية تلاحق العوائل والأسر حتى آخر نقطة حدودية. تم تنفيذ هذا الانسحاب بدقة ونظام كبيرين، بحيث لم تبق عائلة واحدة ولم يقع شخص واحد في أيدي العدو. كان الشيخ أحمد بارزاني يسير بنفسه مع العوائل ويشاركهم التعب والمعاناة. وكان الثوار يتبعون العوائل، وعند وصولهم إلى كوردستان إيران، تم استقبالهم بحفارة بالغة وبدأ الإخوة الكرد في إيران بمساعدتهم وتوزيعهم على (٤٩) قرية، حيث تقاسموا معهم المنازل والطعام'' (مسعود بارزاني، ٢٠٢٠: ٤٦). بقي هؤلاء الآلاف حتى سقوط جمهورية كوردستان الديمقراطية في شرق كوردستان، لكنهم اضطروا في عام ١٩٤٧ إلى مغادرتها والعودة إلى ديارهم.
نازحو ثورة ايلول ولاجئو ما بعد نكسة ١٩٧٥
تعتبر هذه المرحلة واحدة من أصعب وأوسع مراحل اللجوء، والتي استمرت من ١١ آذار ١٩٧٤ حتى ٦ آذار ١٩٧٥: ''المرحلة الأولى ١١ آذار ١٩٧٤ - ٦ آذار ١٩٧٥، بسبب هجوم الجيش العراقي على المناطق الخاضعة لسلطة ثورة ايلول، ترك عدد من المدنيين منازلهم وقصدوا أماكن أبعد وأصبحوا نازحين داخليين في كوردستان، ولكن مع استمرار تلك الهجمات، زاد عدد اللاجئين يوماً بعد يوم، وأصبحت أوضاعهم أسوأ من كل النواحي، لأن تلك المناطق كانت جبلية في الغالب وكان الطقس لا يزال بارداً جداً وأماكن الإيواء كانت قليلة جداً، ولهذا السبب، فإن موجة جماعية التي قدرها الحزب الديمقراطي الكوردستاني في منشوراته بـ (٨٠٠٠٠) شخص، نزحوا خلال شهرين من نيسان حتى نهاية أيار في عام ١٩٧٤ خوفاً من تلك الهجمات إلى بلد إيران، وذهب عدد قليل سراً إلى داخل حدود تركيا. (فتاح محمد ولاتژيري، ٢٠٢٤: ٦٠). كان دخول أكثر من ثمانين ألف شخص إلى المناطق المحررة الخاضعة لسلطة الثورة كارثة غير متوقعة، لأن هؤلاء النازحين لم يكن لدى جزء كبير منهم أي معرفة بحياة القرى ولم يكن لديهم مصدر مالي يذكر، ولم تكن لدى الثورة تلك القدرة المالية الكبيرة لتوفير أبسط احتياجاتهم، والأصعب من ذلك؛ هو عدم وجود أي مساعدة أو دعم من المنظمات الخيرية الدولية.
وكان سبب هذه الكارثة أكثر من ذلك: ''الحكومة لم تقم بتهجير سكان مناطق الثورة فقط، بل لم تكف يدها عن المواطنين الكرد المقيمين في كركوك والموصل وبغداد أيضاً، وكل من كان له ارتباط بالثورة إذا علم النظام بذلك كان يخرج عوائلهم من منازلهم'' (فتاح محمد ولاتژيري، ٢٠٢٤: ٦٣).
كما توجد آراء مختلفة حول الإحصائية العامة لهذه المرحلة بسبب عدم وجود مؤسسة إحصاء دقيقة في ذلك العصر: ''هناك فروقات كبيرة بين المصادر حول عدد اللاجئين الكرد في إيران في هذه الفترة التاريخية، ويعود سبب ذلك إلى أن قيادة ثورة ايلول لم تكن لديها إحصائيات دقيقة.. لكن النقطة المشتركة في هذه الإحصائيات هي أن أولئك الأشخاص الذين تركوا كوردستان العراق منذ بداية حرب عام ١٩٧٤ حتى بعد انتهاء ثورة ايلول في آذار ١٩٧٥ ولجأوا إلى بلد إيران كانوا حوالي (٢١٠٠٠٠) شخص. وهنا يتبين أنه من إجمالي (١٥٠٠٠٠٠) شخص كانوا تحت سلطة ثورة ايلول، نزح حوالي (%١٤) من سكانها. وهذا كان رقماً كبيراً جداً بالنسبة لذلك الوقت'' (فتاح محمد ولاتژيري، ٢٠٢٤: ٩٢).
بعد نكسة ١٩٧٥ واتفاقية الجزائر، كان الوضع أكثر صعوبة: ''مع إعلان اتفاقية الجزائر المشؤومة، اختار عدد كبير من جماهير كوردستان النزوح وربطوا مصيرهم بالبارزاني وبالثورة وانطلقوا نحو مستقبل مجهول. كانت نكسة عام ١٩٧٥ كبيرة وخطيرة لدرجة أن حتى عدداً من الأشخاص الذين كانوا يتمتعون في وقت ما بمكانة ومرتبة عالية داخل الثورة، أصيبوا بالانهيار واليأس ولم يتمالكوا أنفسهم، ولهذا توجه عدد منهم إلى خارج البلاد. ومع ذلك، فإن عدداً كبيراً من المخلصين وفقراء شعبنا صمدوا وواجهوا كل أنواع الصعوبات والتشرد والألم ولم يكونوا مستعدين للتخلي عن نهجهم وقائدهم تحت أي تهديد أو ضغط. بدءاً من تهديدات وضغوط السافاك والقصف والعبء الثقيل لحياة النزوح والغربة، وصولاً إلى الإغراءات وتقديم الأموال والمناصب بأسماء مختلفة من أجل استمالة اللاجئين وإبعادهم عن الحزب.'' (مسعود بارزاني، ٢٠٢١: ١٥٦-١٥٧). وهذا بالضبط ما دفع الرئيس مسعود بارزاني إلى كتابة هذا في كتابه التاريخي: ''أجد من الضروري هنا أن أقدم شكري اللامتناهي لأخواتي وإخواني اللاجئين في جميع أنحاء إيران، وخاصة أولئك اللاجئين الذين استقروا في شرق كوردستان، الذين رغم كل الصعوبات والضغوط وسوء وضعف ظروف حياتهم ومعيشتهم، كانوا صامدين ومستعدين لكل تضحية من أجل الأهداف القومية والوطنية ونهج الحزب وثورته، لأن سوء ظروف الحياة كان قد وضع عبئاً ثقيلاً جداً على عاتقهم، وحتى أن أغلبهم كانت معيشتهم تعتمد على عملهم اليومي. (مسعود بارزاني، ٢٠٢١: ١٥٦-١٥٧)
كان صمود الجماهير وأتباع نهج البارزاني في هذه المرحلة بمثابة دينامو لإعادة تنظيم القوات: ''بهدف إدارة الأعمال بشكل أفضل، اتفقت أنا وكاك إدريس بارزاني على أن يتفرغ هو لإدارة والإشراف على شؤون اللاجئين والنازحين الذين كانوا حوالي مئة وثمانين ألف شخص. وأتولى أنا مهمة إعادة تنظيم صفوف الحزب في المرحلة الثانية ونبدأ الثورة والنضال من جديد، اتخذنا جميع خطواتنا معاً وبعلم بعضنا البعض'' (مسعود بارزاني، ٢٠٢١: ٢١). إدريس بارزاني بمساعدة عدد من كوادر الثورة، شكل لجنة خاصة للإشراف على المخيمات (مخيمات مثل زيوة، سربيل زهاب، كرج وأماكن أخرى). كان الهدف الأول توفير الاحتياجات الأساسية مثل السكن والغذاء والدواء من خلال التنسيق مع الهلال الأحمر الإيراني والمنظمات الإنسانية، وبعد ذلك كانت مسألة تعليم الأطفال مهمة جداً بالنسبة له، لذا بذل كل جهده لكي يذهب أطفال الكورد إلى المدارس.
رغم توزيعهم على مناطق مختلفة، كان الجيل الجديد من اللاجئين سباقاً في التعليم: ''شكراً لله، تمكن عدد كبير من الشباب بين اللاجئين في ذلك الوضع السيئ من الدراسة وتطوير أنفسهم، بل وتسجيل مستويات عالية جداً في مراكز التعليم. دائماً كان طلابنا اللاجئون في المدارس الإيرانية، رغم الفقر وضيق اليد، من بين الطلاب الأذكياء والأوائل في المدارس. أخواتنا وإخواننا اللاجئون الذين تشتتوا وتفرقوا بسبب برنامج نظام الشاه على جميع المحافظات والمناطق النائية، كانوا في الغربة يحافظون على لغتهم وتقاليدهم ويحمون معتقداتهم بنهج البارزاني والقضية الكوردية.'' (مسعود بارزاني، ٢٠٢١: ١٥٦-١٥٧)، وهذا كان بارزاً جداً بعد عودة اللاجئين الكورد من إيران وبلدان أخرى، وكانت الغالبية العظمى منهم بمستويات مختلفة إما يحملون شهادات أو يواصلون دراستهم.
- المرحلة الثانية للاجئين ١٩٧٩-١٩٨٧
كان نظام بكر ومن بعده صدام قد حصلا على أموال جيدة من بيع النفط وبذلك قاما بتجهيز الجيش بأسلحة حديثة جداً. أشعل صدام الحرب مع إيران وسلب الهوية من عشرات الآلاف من الكورد الفيليين وأجبرهم على ترك العراق والنزوح إلى إيران. بعد ذلك بدأت حملة الأنفال وأنفلت أكثر من ثمانية آلاف شاب ورجل من البارزانيين، لذا أي بارزاني كان يستطيع في ذلك الوقت عبور الحدود كان ينزح إلى إيران، لأنه كان متأكداً من أنه إذا بقي هنا، فسيواجه مصيراً مجهولاً.
المراحل المختلفة للأنفال التي مورست ضد الكورد في تلك الفترة، كانت سبباً آخر جعل المواطنين الأبرياء يتركون ديارهم ويتوجهون إلى البلدان المجاورة. كما أنه بسبب حرب العراق وإيران؛ أخلى نظام البعث جميع القرى الحدودية، وهذا ما جعل عدداً من المواطنين ينزحون إلى إيران. هذا بالإضافة إلى أن عشرات الشباب الكورد تركوا كوردستان بسبب الخدمة العسكرية الإجبارية.
- مرحلة ما بعد قصف حلبجة بالسلاح الكيميائي ١٩٨٨
قصف نظام البعث مدينة حلبجة بالسلاح الكيميائي في ١٦ آذار ١٩٨٨ واستشهد أكثر من ٥٠٠٠ مواطن بريء. في ذلك اليوم نزح جميع مواطني حلبجة والنواحي والقرى المحيطة بها نحو إيران، وكان أغلبهم من النساء والأطفال، وكان عدد كبير منهم مصابين بالأسلحة الكيميائية. ''قصف حلبجة وعدد من أماكن أخرى في كوردستان بالسلاح الكيميائي في عام (١٩٨٨) وتوقف الحرب الدموية التي استمرت ثماني سنوات (العراق - إيران) في (٨/٨/١٩٨٨)، كان آلاف المواطنين قد نزحوا بأموالهم وأطفالهم إلى إيران واستقروا في مخيمات وقرى ومدن وبلدات إيران في حياة من البؤس والفقر والعوز.'' (عبد الرحمن علي كوردة، ٢٠١٨: ٣٧). إذا كان اللاجئون السابقون قد شكلوا عبئاً بسبب كثرة عددهم، فإن نازحي هذه المرحلة شكلوا عبئاً كبيراً بسبب سوء حالتهم الصحية، وكانت إيران البلد الوحيد الذي كان يساعد النازحين، لأن البلدان الأخرى تجنبت الموضوع بسبب علاقاتها الجيدة مع سلطات البعث وحكومة العراق.
التركيبة الاجتماعية للاجئين
كان مجتمع اللاجئين الكورد في إيران متعدد الألوان ومتنوعاً من الناحية الدينية والقومية: ''على المستوى الديني والقومي، كما كانت تركيبة مجتمع كوردستان ملونة ومتنوعة، كذلك كان بين اللاجئين عدد كبير من قوميات وأديان مختلفة مثل الآشوريين والإيزيديين والكاكائيين'' (فتاح محمد ولاتژيري، ٢٠٢٤: ٩٢).
من الناحية الإدارية، تم تقسيم اللاجئين وفقاً للوثائق الرسمية إلى ١٠ مجموعات مختلفة: ''في وثيقة بعنوان (دستور شؤون اللاجئين الكورد العراقيين)، تم تقسيم اللاجئين إلى (١٠) فئات، وهي: ١- قادة اللاجئين، ٢- اللاجئون من عشيرة بارزان وعائلة مقربة من الملا مصطفى بارزاني، ٣- ضباط ومراتب الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية العراقية، ٤- الكوادر الإدارية ومديرو الدوائر الحكومية والفنية للثورة الكوردية، ٥- الكوادر الصحية مثل الأطباء ومساعدي الأطباء والمضمدين، ٦- پیشمرگة، ٧- العوائل بلا معيل (عوائل شهيد) وكبار السن والعجزة، ٨- اللاجئون العاديون، ٩- الطلاب، ١٠- المعلمون'' (فتاح محمد ولاتژيري، ٢٠٢٤: ٩٣)، وربما كان الهدف من ذلك مزدوجاً، فمن جهة تكون لدى السلطات الإيرانية رؤية واضحة حول من هم الأشخاص الموجودون بين النازحين وما هي تخصصاتهم وما هي الأعمال التي يمكن الاستفادة منهم فيها، ومن جهة أخرى يسهل السيطرة عليهم وعدم السماح لهم بالتحرك بسهولة.
استخدمت السلطات الإيرانية في مراحل مختلفة نماذج متنوعة من الهويات لتنظيم الشؤون القانونية للنازحين، ''كان على كل نازح في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن يحمل هوية رسمية للجوء تصدرها سلطة مختصة (شؤون اللاجئين - قسم شؤون اللاجئين) التي أصبحت لاحقاً (شؤون الرعايا الأجانب - قسم شؤون الأجانب) المكلفة بهذه المهمة.. كان لنازحي عام (١٩٧٤) هوية خاصة تسمى (دفتر) في إيران الشاهنشاهية. وكان لنازحي ما بعد الثورة الإسلامية الإيرانية حتى عام (١٩٨٨) هوية خاصة تسمى (البطاقة الخضراء). أما النازحون بعد عمليات القصف الكيميائي والأنفال والهجرة الجماعية في هذه المرحلة منذ منتصف (١٩٨٨) فصاعداً، فقد كانوا يحصلون على هوية أخرى تسمى (البطاقة البيضاء)'' (عبد الرحمن علي كوردة، ٢٠١٨: ٥٩)، وكان لكل واحدة من هذه البطاقات خصائصها التي تميز حاملها عن غيره، فعلى سبيل المثال، لم يكن بإمكان حامل البطاقة البيضاء مغادرة مدينته والتنقل بحرية في مدن إيران، بينما كان الأمر أسهل لمن يحملون الدفتر.
- دور اللاجئين في إشعال فتيل الثورة من جديد
رغم الصعوبات وضيق ذات اليد، لعب اللاجئون دوراً مهماً في دعم الثورة مالياً: ''في الوقت الذي كان فيه عدد كبير منهم يعيش في وضع معيشي صعب وفقر مدقع، إلا أنهم بصمودهم أصبحوا سبباً في استئناف الثورة وتطويرها وتقوية الحزب الديمقراطي الكوردستاني في ساحة النضال والكفاح. لقد أصبح اللاجئون ومخلصو شعبنا، بصمودهم وتجلدهم، سبباً في إفشال كل خطط ومؤامرات أعداء الشعب وانتصار إرادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في سبيل الدفاع عن الحقوق والمطالب المشروعة لشعبنا، ... كانت إخلاص وصمود اللاجئين للحزب الديمقراطي الكوردستاني وللثورة لدرجة أنهم كانوا يتبرعون بنصف دخلهم اليومي لجبهات القتال وتوفير احتياجات الـ پیشمرگة الأبطال، لقد أصبح أولئك اللاجئون الصامدون وقوداً لاستمرار الثورة والانتصارات المتتالية للـ پیشمرگة الأبطال في خنادق الدفاع عن الأرض والوطن والحقوق المشروعة لشعبنا؛ لذا فإن التاريخ سيسجل في صفحاته صمود ومقاومة اللاجئين بماء الذهب. لقد قضى إخوتنا وأخواتنا اللاجئون سنوات طويلة في حياة النزوح والتشرد والفقر وحياة الإيجار والعمل الشاق، واجتازوا تلك الفترة العصيبة برؤوس مرفوعة، وكانوا داعمين للثورة والـ پیشمرگة وقدموا شهيد وجرحى من أجل كوردستان.'' (مسعود بارزاني، ٢٠٢١: ١٥٦-١٥٧). ما يستخلص من كلمات الرئيس مسعود بارزاني هو أنه؛ رغم أن الناس عاشوا في ضنك، إلا أنهم كانوا مستعدين، إلى جانب التضحية بالنفس والعمل كـ پیشمرگة، أن يقتطعوا من قوت أطفالهم ويقدموه للثورة، وكانوا الدينامو الحقيقي لثورة كولان. وفي هذا، فإن دور الأمهات والأخوات وزوجات الـ پیشمرگة بارز جداً، وإذا قرأنا مذكرات الـ پیشمرگة في ذلك العصر، يتبين لنا كم كن شامخات وبطلات. عندما كان الرجال في خنادق الدفاع، كان عبء إدارة العائلة على عاتق النساء: ''كان الرجال يحملون سلاح شرف الثورة على أكتافهم، والنساء يحملن مسؤولية تربية الأطفال والصمود على عاتقهن.'' (مسعود بارزاني، ٢٠٢١: ١٥٦-١٥٧). هذه الحقيقة انعكست أيضاً في ذكريات الـ پیشمرگة: ''عندما أصبحنا پیشمرگة، كنا نأتي في كثير من الأحيان لمدة ستة أشهر أو أكثر بمفارز إلى كوردستان العراق، ونترك أهلنا وأطفالنا، وكانت زوجاتنا يلعبن دوراً عظيماً في تربية الأطفال والحفاظ على البيت والعائلة وتنشئة وتربية الأطفال، كن يمتلكن فناً عظيماً في قدرتهن على تربية أولئك الأطفال بشكل جيد'' (حاجي ميرخان دولمري، ٢٠٢١: ٢٤٢)، وهكذا كانت الأمهات الكرديات يربين أبناءهن على حب الأرض والوطن.
الجبهة الكوردستانية وشؤون النازحين
لمواجهة الأزمات الإنسانية، خاصة في عام ١٩٨٨، شكلت الأطراف السياسية في كوردستان مؤسسات مشتركة: ''للإشراف على هؤلاء الناس وتوطينهم، خاصة بعد موجات النزوح الكبيرة بسبب الأنفال والقصف الكيميائي، في البداية قام الحزبان، الحزب الديمقراطي الكوردستاني.. والاتحاد الوطني الكوردستاني.. كل على حدة، بتشكيل لجان مختصة للإشراف على النازحين، والتي لاحقاً كان للأحزاب الأخرى في الجبهة الكوردستانية وخارجها مثل (الحزب الاشتراكي، الحزب الشيوعي، باسوك وحزب الشعب) و(الحركة الإسلامية) تنسيق معها بشكل أو بآخر. كل منها وبحسب حجمها، اتخذت خطوات لهذه العملية لاستقبال هذه الموجة من النازحين والإشراف عليهم، حيث كان هناك تنسيق وتعاون تام بين هذه اللجان ولجنة العلاقات للأحزاب في معظم مدن وبلدات وحدود الجمهورية الإسلامية الإيرانية.'' استمر هذا لفترة، ولكن لاحقاً، وبقرار من القيادة السياسية للجبهة الكوردستانية، تم دمج لجان الأحزاب وتوسيعها لتصبح ممثليات لأحزاب الجبهة الكوردستانية أيضاً للإشراف على هؤلاء الناس وتوطينهم في المخيمات والمدن والبلدات والتنسيق مع المؤسسات والأجهزة المعنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية والإشراف عليهم، ولهذا الغرض تم تشكيل لجنة عليا باسم (اللجنة العليا للإشراف على النازحين) التي كانت تتألف في البداية من مندوبي الأحزاب السياسية الثلاثة الرئيسية في الجبهة الكوردستانية (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني والحزب الاشتراكي) التي كانت تتبع مباشرة المكتب التنفيذي للجبهة، والتي توسعت لاحقاً وتألفت من السادة: جمعية إغاثة كوردستان'' (عبد الرحمن علي كوردة، ٢٠١٨: ٣٧)، أي أن الأحزاب الكوردية في البداية كان كل منها يخدم الناس الذين كانوا يتبعون له، ولكن لاحقاً شكلوا لجنة تنسيق ثم اتجهوا نحو المزيد من المؤسساتية، وفي النهاية قدموا المساعدة للاجئين عبر جمعية إغاثة كوردستان.
البيانات النهائية والتعداد العام للنازحين
خلاصة الإحصائيات وأعداد النازحين الكرد حسب المراحل والمجموعات مسجلة كما يلي، لكن البيانات لا تزال غير دقيقة تماماً:
''عدد النازحين:- نازحو عام ١٩٨٨ .................................. ٩٠٠٠٠-١٠٠٠٠٠
- نازحو أعوام ١٩٧٩-١٩٨٨ ............................... ٢٠٠٠٠-٢٥٠٠٠
- نازحو عام ١٩٧٤ الذين بقوا .......................... ٤٠٠٠٠-٤٥٠٠٠
- النازحون الفيليون ..................................................... أكثر من ٢٠٠٠٠٠
- مجموع النازحين ................................................ ٣٧٠٠٠٠'' (عبدالرحمن علي كورده، ٢٠١٨: ٦٢)
تجدر الإشارة إلى أنه بعد حملات الأنفال سيئة الصيت والانتفاضة (كۆڕەو) نزح عدد من المواطنين الكرد إلى تركيا. كل ما قيل أعلاه؛ يثبت أن شعب كرد وكوردستان استخدم الهجرة والنزوح كأداة مهمة للبقاء، وفي النهاية كان النزوح الجماعي (كۆڕەو)، كأحد الأسباب المهمة، سبباً في دفع العالم لدعم الكرد والاعتراف بجزء من حقوقهم ومحاولة حمايتهم.
المصادر- حاجي ميرخان دولمري، البحث عن العدالة، كوردستان-٢٠٢١.
- عبدالرحمن علي كورده، جمعية إغاثة كوردستان، الطبعة الأولى، مطبعة رۆژهەڵات، أربيل، ٢٠١٨.
- مصطفى محمد كريم (د.)، ثورة بارزان الثانية، هيئة موسوعة (پ.د.ک)، مطبعة دانشفر، أربيل-٢٠٢٢.
- فتاح محمد ولاتژيري، اللاجئون الكرد في إيران (١٩٧٤-١٩٧٩)، هيئة موسوعة (پ.د.ک)، مطبعة جامعة صلاح الدين، أربيل-٢٠٢٤.
- مسعود بارزاني، بارزاني والحركة التحررية الكردية، المجلد الرابع-ثورة كولان، الجزء الأول، الطبعة الأولى، مطبعة روكسانا- ٢٠٢١.





